دين أبونا اسمه إيه؟!


 ساسة بوست : كتب : باسم الجنوبي

مع بداية قراءتك لهذه السطور، ابتعد بذهنك قليلًا عن هذه الفترة التي تحيا فيها حيث الأخبار العاجلة التي ستسبب لنا معشر الشباب السكر والضغط وأمراض الشيخوخة المبكرة، وتخيل أنك تعيش في الفترة من منتصف القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر الميلادي حيث “عصر الإسلام الذهبي”، حيث تسمع كل يوم أخبار عاجلة من عينة:

– عاجل| علي بن عقيل الحنبلي ينجز “موسوعة الفنون” المكونة من 800 مجلد، وبهذا يكون قد ألف أضخم كتاب وموسوعة في التاريخ الإنساني.
– عاجل| أبو بكر الرازي يبتكر طريقة جديدة في تخيط الجروح العميقة في الجسم وتصلح في التخييط الجراحي.
– عاجل| بديع الزمان الجزري يخترع محركًا وآلات تعمل بطريقة الدفع الذاتي.
– عاجل| الحسين بن عبد الله بن سينا ينجح في تشخيص لأمراض الشلل النصفي والجمرة الخبيثة.

– عاجل| ابن يونس المصري يخترع آلة جديدة لقياس الزمن “البندول”.
– عاجل| عبد الرحمن بن خلدون ينتهي من تأليف كتابة “المقدمة” لتكون نواة لعلم الاجتماع الإنساني.

كل هذه الأخبار ليست مجرد أخبار متفرقة على فترات متباعدة في هذا العصر، لكنها مثل أخبار قطع الكهرباء أو حوادث السير في عصرنا، وهؤلاء العلماء لم يكونوا مجرد فريق علمي قليل العدد كما يُتصور، بل كانوا ظواهر لحالة علمية شائعة في الحضارة الإسلامية آنذاك، فالأمر كان كما قال المؤرخ ضياء الدين سارداري “العلماء مثل البيروني والجاحظ والكندي والرازي وابن سينا والإدريسي وابن باجة وعمر الخيام وابن زهر وابن طفيل وابن رشد وعلي بن حزم الأندلسي وغيرهم من آلاف العلماء المسلمين لا يعتبرون حالات استثنائية، بل كان هذا هو الحال العام في الحضارة الإسلامية، حيث إن عدد العلماء الذين تواجدوا في العصر الذهبي كان ملفتًا للنظر”.

وبعودة إلى عصرنا الصاخب، ستجد أن هؤلاء العلماء برغم موتهم منذ مئات السنوات إلا أننا ما زلنا نذكرهم بالخير ونترحم عليهم لأنهم تركوا للإنسانية ما يجعلها أفضل في كل مجالات الحياة تقريبًا، وكأنهم كانوا يقصدون ذلك، قصدوا أن نترحم عليهم بما تركوا من علم نافع لنا في الحياة ونافع لهم كصدقة جارية بعد حياتهم.

ويكاد يجمع المؤرخون أن المحرك لهؤلاء العلماء وقبلهم السلاطين والأمراء في إنجاز ما انجزوا من اختراعات واكتشافات وتهيئة المجتمع علميًّا والتشجيع على المعرفة كان الدافع الديني وفهمهم أن الإسلام دين علم وعمل وجدّ ونفع للناس.
إذن فهم الإسلام الذي جعل المسلمين الأوائل يضحون بحياتهم من أجل اختراع أو اكتشاف أو تأليف أو تعليم الناس وجعلهم يبذلون الغالي والنفيس في بناء حضارة شامخة في العمارة والاجتماع “الأندلس مثال” بقيت رغم وفاتهم بمئات السنين وما زال ذكرهم باقٍ في المتن والسند، لا يمكن أن يكون هو نفس الفهم للإسلام عند جيلنا الذي يعيش من أجل كرشه وفرشه كما إنسان الغاب إن مات لم يذكره أحد!
وبناءً عليه، فلا بد أن نسأل أنفسنا نحن هذا السؤال: “دين أبونا اسمه إيه؟!”

وإذا كان هو “الإسلام” وهو نفس الدين الذي جعل من المسلمين الأوائل قادة العالم في العلم والمعرفة، فلا بد أن نعيد النظر في فهمنا نحن لأصوله قبل فروعه مرة أخرى،ولعل إعادة النظر في أول كلمة من التنزيل “اقرأ” تكفي لأن نقوم بـ”ثـورة ثقافـية” على أنفسنا إذا تأملنا صيغة الأمر بالقراءة كأول كلمة في الدين الجديد، ومن هنا نضع أنفسنا على طريقهم.. فهل من متدبر؟!

مقالات ذات صلة :

- كيف تكون مثقفا.

- 100 كتاب في مكتبتي.

- في رحاب المسيري، المثقف القدوة.

- الغناء الثورة، نضال بلا بنادق.
تعليقات فيسبوك
0 تعليقات بلوجر

يشرفنا تعليقكم..مشكورين علي ما كتبتم محول الأكواد محول الأكواد الإبتسامات الإبتسامات