سيكولوجية الوسطية | باسم الجنوبي

المصدر : منارات
كتب : باسم الجنوبي

في ظل هذه المعارك السياسية والإعلامية التي تشهدها بلادنا العربية خاصة بعد ربيع الثورات العربية وبما استتبعته من حراك كان يُفترض أن يكون ديمقراطي في جو من المصالحات والتوافق الوطني وإن اختلفت الرؤى،لكن الحاصل أن غلب التصادم على الحوارات،وتحولت مساحات التعبير عن الرأي إلى ساحات صراع و عنف، وتميزت المواقف بالتطرف،وفي طريق إنهاء هذا الوضع المتأزم وجب إظهار"الوسطية" كقيمة وفكر وسلوك وموقف في الحياة،و كتاب «سيكولوجية الوسطية،لتعزيز الإعتدال ومواجهة التطرف» الذي سطره الدكتور حمدي الفرماوي (أستاذ علم النفس التربوي بجامعة المنوفية وأحد كبار علم النفس في الوطن العربي) خطوة على هذا الطريق،نحاول في هذه السطور عرض معالمه وفحواه وتبيان أهم ما جاء به محتواه.

الكتاب يبدأ بمقدمة بقلم د.آمنة نصر(أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر) أكدت فيها على تقديرها لهذا الكتاب الذي قدم طبيعة الرؤية الوسطية بمنهج علمي محافظاً على خلفية إسلامية رصينة يُذكرنا بالدراسات الأخلاقية للأوائل من علمائنا الكبار مثل أبو حامد الغزالي وأبو الفرج بن الجوزي.
يعد الكتاب دراسة متكاملة إلى حد بعيد لرسم معالم حياة الإنسان المتصالح مع نفسه أياً كان،ويفسر تقلبات الحياة وتناقضاتها،ويجيب الكتاب عن أسئلة محورية تدور في ذهن كل من يسعى إلى الإتساق والتناسق مع ذاته مثل: كيف يمكن تحقيق الوسطية في مجتمع متطرف؟،كيف يمكن للفرد أن يحافظ على وسطيته وهو متقلب الأحوال؟،ماهي معوقات تحقيق الوسطية لدى الفرد والمجتمع؟،لماذا ساد التطرف وانتشر العنف والصلف؟!، يتكون الكتاب من مقدمة تحتوى على أهمية البحث ومدى خطورة موضوعه وخطة البحث فيه،وخمسة فصول تتناول  "الوسطية" من منظور سيكولوجي،تنظيراً لمشكلاتها وتقنيناً لوجودها وتنميتها والتربية عليها.

الوسطية بين الفكر الإسلامي والسيكولوجي
ويتناول الفصل الأول من الكتاب "مفهوم الوسطية بين الفكر الإسلامي والسيكولوجي" حيث ربط الكاتب بين الوسطية في الفكرالإسلامي وبين المفهوم النفسي لها،مؤكداً على أن الفكر الإسلامي في حد ذاته(شريعة-عقيدة-عبادة-معاملات) يتميز بالوسطية ويأمر بها،واستطرد الفرماوي في تبيان أوجه وسطية الفكر الإسلامي ومنها:
1- توسط الشريعة الإسلامية بين الأمر بالإسراف والتمتع باللذات وبين الزهد وحرمان النفس.
2- في الشريعة الإسلامية لا طغيان للفردية على المجتمع،وليس للمجتمع الحق في سلب حقوق الفرد.
3- التنظيم الوسطي في العلاقة بين الدين والدنيا،وبين الروح والمادة،وبين الوحي والعقل،وبين الواقعية والمثالية، وبين الثابت والمغير.

ويعتمد الدكتور الفرماوي تعريف الوسطية على أنها "الأسلوب الذي يميز الإنسان في تفكيره وتوجهاته،فينعكس على أحكامه ومواقفه وسلوكه اعتدالاً وتوازناً،بحيث لا يميل سلوكياً إلى طرف حاد يبدو عليه التشدد أو التفريط".
وبهذا المفهوم للوسطية يمكن فهم واستباط الكثير من المسائل الدينية الجزئية بل فهم الدين ككل كما يقول الكاتب "عدم فهم المسلم للوسطية يجعله بعيداً عن فهم دينه كله"،كما يشير الفرماوي إلى أن المسلم بكونه مأمور شرعاً أن يتقبل الإختلاف والتنوع والفروق الفردية وقبول الآخر،يجعل منه مؤمناً بقيم المواطنة وحقوقها مما يحقق الأمن النفسي والسلام المجتمعي المنشود والبعد عن التطرف إلى التخلف أو التطرف والتخلف،وهذه من أهم وأروع ثمرات تحقيق الوسطية..الأمن النفسي للفرد والسلام المجتمعي للأمة.

مبدأ "الإزدواجية السوية" كمفسر للوسطية
وفي الفصل الثاني من الكتاب يتناول الدكتور الفرماوي جذور الوسطية في البناء النفسي الإنساني باحثاً عن إمكانات واستعدادات الإنسان النفسية والعقلية لتقبل الوسطية فكراً وسلوكاً من خلال نظرية"الركائز الأربعة للبناء النفسي" والتي تتلخص في أن التوزان الإنساني يحصل ما أن يحدث التوافق والتناغم بين الروح والعقل بحسب ما تقتضيه المرحلة العمرية التي يمر بها الفرد،مؤكداً أن النشاطات الروحية للإنسان إذا غلبت على سلوكه مال إلى الإستقامة وشعر بالسعادة،وإذا خمدت الروح يحدث إنحراف للفطرة ويضطرب السلوك،كما يشير إلى أن النفس الإنسانية تمثلها الفطرة عند الوليد ثم أثناء التربية والتنشئة الاجتماعية تتحدد معالم هذه النفس وتتشكل على ضوء كم وكيف النشاط الروحي الذي يتوهج داخلها من ناحية وبين تحقيق التوازن والتكامل بين العقل والروح وبين الروح الجسم وبين العقل والجسم.
وبهذا تتكون فطرة الإنسان وتحفظ سويتها ووسطيتها، ومقياس توجه الإنسان إلى الوسطية هو مدى قدرته على التوازن بين المادية والروحية في تكوينه النفسي وهو ما نعنيه بمبدأ "الإزدواجية السوية" وهو الأمر الذي يحتاج إلى مجاهدة لتحقيقه بالصورة التي أمر بها الشرع "إن لبدنك عليك حقاً وإن لنفسك عليك حقاً،وإن لربك عليك حقاً،فأعط كل ذي حقه"،لذلك يكون الإنسان في حالة مجاهدة مستمرة وممتعة أيضاً في أربعة مسالك هامة وهي: استنهاض الإرادة،الإنشغال بالإستقامة،استباق الخيرات،السمو والعفة.

الوسطية والنضج الإنفعالي
وفي الفصل الثالث سنجد تناولاً لتنظير العلاقة بين الوسطية ووجدان الإنسان الذي ينظم إنفعالاته وعواطفه ودوافعه،بحيث تتحقق الوسطية عندما يشبع الفرد رغباته متوازناً بين النزعتين المادية والروحية،بحيث يجعل كل الدوافع المادية وغيرها متسقة مع مصدر إلهام روحه،لذلك ليس من العسيرعلى الإنسان الذي وحدّ غايته في رضا خالقه أن يحقق هذه الوسطية المنشودة في كثير من موضوعات الحياة ومجالاتها التي يعد التطرف فيها مضيعاً مثل العاطفة والحب (حب المال،حب الجاه،حب التملك،حب الزوجة،حب الجنس الآخر،حب الأولاد...)، وإذا لم تسعف إرادة الفرد في تحقيق هذه الوسطية خاصة في هذه الأمور المتعلقة بالعاطفة فإن نفسه تلجأ إلى الحيل الدفاعية المختلفة مثل الكبت،النكوص والتقمص والتبرير والإسقاط....إلخ،ويشير الفرماوي إلي أن الشريعة الإسلامية الغرّاء قد وضعت كثير من العلاجات عند وقوع هذا الأمر يمكن بها تعزيز وتقوية الحكمة الوسطية وإعادة تأهيل قيم الوسطية الإنفعالية مثل الأمر بالصبر وكظم الغيظ والأمر بالتوبة،كل هذا من شأنه تعزيز وتقنين الوسطية من خلال التربية على النضج الإنفعالي.

المعوقات النفسية في طريق الأخذ بالوسطية
أما الفصل الرابع فيتناول تبيان بعض المعوقات النفسية والاجتماعية التي تحول دون الأخذ بالوسطية فكراً وسلوكاً ومنهج حياة،ويتضح للقاريء أن هذه المعوقات كلها ما هي إلا نتاج للتنشئة الاجتماعية غير السوية والتي غيرت الفطرة السليمة لدي الفرد وجعلتها تطرف،ومن أهم هذه المعوقات كما يبين الكاتب:
1- الإدراك المشوه للواقع ؛بحيث يرى الفرد الأشياء غير ماهي عليه في الواقع،ويؤكد الفرماوي أن الأسلوك المعرفي الإدراكي وطريقة التفكير (موضوعي،غير موضوعي) وطبيعة الذهينية المتلقية(منفتحة،منغلقة) عوامل أساسية في تحقيق الوسطية وتقبل تطبيقها.
2- الإتجاه النفسي السلبي الذي تحكمه الأهواء والتطرف.
3- تكوين الشخصية التسلطية التي تجمع كل هذه المعوقات المشار إليها سابقاً والتي تتسم بالتعصب الفكري(الدوجماتي)والتطرف الإنفعالي.

نحو مجتمع وسطي
الفصل الخامس هو الفصل الخاتم في الكتاب،تناول فيه الدكتور الفرماوي بعض الأليات لدعم وتعزيز الوسطية لدى الفرد والمجتمع منطلقاً من إثبات وجود أزمة بُــعد الكثير من المجتمعات الإسلامية والعربية عن الوسطية فكراً وسلوكاً حتى على مستوي النخب الثقافية والدينية والإعلامية،وهذا ما يثير القلق بل الفزع من القادم إن لم نحاول معالجة الأمر والتفكير في وضع حلول لهذه الأزمة.
ويتعرض الفرماوي إلى أهم أسباب إنتشار نوازع العنف وظهور نزعات التطرف ومن أهمها؛الشعور العام بالظلم والفساد وغياب القانون،تصدر الهواة وغير المؤهليين في أماكن توجيه الجمهور إعلامياً ودينياً وثقافياً،ضعف المناهج التعليمية والتربويةوالفساد في المؤسسات التعليمية والجامعية،إنتشار وسائل الإعلام التحريضية،غلبة المادية على المجتمع،التفكك الأسري.
ومن ثمّ يؤكد الفرماوي أن الطريق إلى الوسطية ومعالجة أزمتها يبدأ من سد ذرائع ومواجهة هذه الأسباب التي تهدد الوسطية وتحول دون إنتشارها،ثم الإهتمام بتعزيز الوسطية عبر مراحل الطفولة والشباب بطرق تربوية صحيحة تعمل على تغذية الفكر والوجدان والسلوك بصورة متكاملة،ويؤكد أخيراً أن الوسطية فكراً وسلوكاً تبدأ من الأسرة أولاً،ثم من مؤسسات التنشئة الاجتماعية بكل تنوعاتها في المجتمع.


تعليقات فيسبوك
0 تعليقات بلوجر

يشرفنا تعليقكم..مشكورين علي ما كتبتم محول الأكواد محول الأكواد الإبتسامات الإبتسامات