عائد إلى غزة


ساحة مسجد ابن عثمان بغزة  ديسمبر 2012
من محتوى خطبتي لجمعة  يناير 2013..بمسجد الفتح بمدينة الشهداء

لا شك أن التربية بالقدوة هي من أنجع وأنجح طرق التربية المجربة والمعتمدة لنقل القيم والسلوك من جيل إلى جيل ومن فرد إلى فرد،وقد أوصى الشرع الحنيف بالإقتداء بالمثل العليا متمثله في شخوص الصالحين من عباد الله من الرسل مثلاً، فقد أمرنا تعالى بذلك قائلاً "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"، بل حتى النبي صل الله عليه وسلم قد أمره ربه بأن يقتدي بمن سابقوه من الصالحين والرسل فقال تعالى "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده"..ومقياس تحضر الأمم يُقاس بعدد القدوات التي تتمثلها أمة منها لتجعل منها نبراساً تهتدي به في طرق نهضتها..
وأمتنا الإسلامية والعربية تمتليء بقدوات ومثل عليا لا أكثر منها..في كل مجالات الحياة سنجد قدوات في العلم والبذل والعبادة والإبداع والجهاد والأدب والفن..ومع كل التقدير لهؤلاء الأفراد القدوات،لكن هناك قدوات جماعية قلما أن ننتبه إليها ولا نعطيها حقها..فلدينا فرق ومجموعات وجماعات ومدن وبلاد يمكن أن نتخذها قدوات في مجالات ونطاقات معينة فيما أبدعت فيه وبرزت..تكون شامة وأسوة حسنة لغيرها لتتأسى.

زيارتي لغزة
وقبل أيام أذن الله لي أن أزور جزء غالي على القلب "فلسطين" وتحديدا قطاع غزة..غزة الأبية ..التي خرجت منذ أسابيع من حرب ضروس مع الكيان الصهويني،ومع ذلك أبهرني ما رأيت..وأذهلني ما عايشت من وجوه للروعة..ومجالات للقدوة...فكانت لناظري بلد قوة..وشعب قدوة..إليكم ما شاهدت بعيني وعايشت بحالي وما أبهرني فيها لأقول ما قلت!

زيارتي لقبر الشهيد أحمد ياسين - غزة


التعلق بالشهادة

كم الحروب التي شهدتها غزة خاصة في 2008-2012..أسفر عن وجود آلاف الشهداء،فكلما أن تجلس مع أحد إلا وتكتشف أنه أب لشهيد او ابن لشهيد أو أخ لشهيد أو صاحب لشهيد أو جار شهيد أو أكثر،فالشهادة في غزة هي الأصل والنسب !
نتج عن هذا كثيراً من الظواهر النفسية والاجتماعية المطمئنة التي جعلت من الأفراد والمجتمع ناظراً بعينه وهمته إلى الأخرة وجنتها،فجعل نفوس الناس في الغالب راضية بأقدار الله،منسجمة مع ما يصيبها وتحتسب عن ربها ما يأتي من ضرر في المال والأهل والبنيان والولد،وكان لذلك أيضا تأثيره على أخلاق الناس وتعاملاتهم وعبادتهم
.
 


ومن الظواهر أيضا المتعلقة بهذا الأمر :
 1-  اللافتات الجهادية والإستشهادية التي ستراها في كل شبر من شوارع غزة..قلما أن تجد إعلانات (بوسترات ودعايات الشوارع المعلقة) لسلع استهلاكية أو غيرها..كل ما ستراه في كل مكان هي صور الشهداء والإستشهاديين،وصور الإحتفالات بإنطلاقة فصيل أو حركة مقاومة أو احتفالات بشهادة فلان أو ذكرى إستشهاد فلان وهذا كثيرا جدا ما تراه في كل ميدان وشارع ومنعطف،أيضا لافتات وإعلانات الحركات الجهادية وفصائل المقاومة،تذكر مشاهد وأعداد الإعلانات الموجودة في شوارع نص البلد بالقاهرة مثلاُ لتجد مثل هذا العدد في غزة لكن دعايات ومذكرات بالشهداء وفصائل المقاومة..وكأنها وسائل تربوية لهذا الشعب ليستمر مقاوماً لا مستهلكاً.


2- سترى البيوت تتفاخر بإخراج شهيد او أكثر بأنها تعرف نفسها ممن خلال لافتة كبيرة خارج البيت مكتوب عليها مثلاً "هذا بيت الشهيد فلان..."..وهذا بديل لافتات التعريف بالبيوت المنتشرة عندنا كأن نقول "هذا بيت اللواء فلان..أو الدكتور كذا !"

3- إطلاق أسماء الشهداء والفصائل والحركات الجهادية على المحلات الغذائية والمكتبات والشركات الخدمية.

4- إطلاق أسماء الشهداء وأسماء الصواريخ الجهادية على العطور !

5- تزيين الشوارع والمساجد بصفة دائمة بأعلام الفصائل والحركات ولافتات الشهادة وهذا في كل البلد وليس في منطقة دون غيرها..كما تتزين الأحياء القروية في بلدنا بزينة رمضان لكن الفرق هناك بأن الحكومة والمنظمات وليس فقط الأهالي هو من يقوم بهذا الأمر!

6- إحتفالات المساجد بذكرى إستشهاد بعض المصليين فيها.

7- في غزة يمكنك أن ترى نماذج فريدة على هذا الكوكب،سترى نماذج تضاهي في وعيها وصبرها وصمودها الخنساء والمجاهدات من الرعيل الأول،سترى أم تحضر المدفئة على أصوات الرصاص،وأطفال تذاكر دروسها على أصوات الطلقات وبين الحطام،وبين هذا وذاك أخت تحضر لأخيها الملابس العسكرية ليخرج في رباط !


زيارتي لخنساء فلسطين - أم نضال - رحمها الله

تعمير الدنيا


جميل أن تموت في سبيل الله..لكن لن يكون هذا حتى تحيا في سبيل الله...والثاني أجمل و أصعب وأوجب،وفي غزة يفعلون الاثنين بمهارة..حياة في سبيل الله منهجهم...وفن الشهادة صنعتهم.!
فبجوار
"مسجد خديجة" الذي تعمد الصهاينة ضرب مأذنته في الحرب الأخيرة على غزة..بجواره بضبط يمكك أن ترى مدرسة ابتدائية ..وخلفهم بالضبط يمكنك أن ترى مناطيد الصهاينة التي تراقب من الهواء..ويمكنك أن تسمع دوي طلقات النار الإسرائيلية متجه إلى المدينة..ويمكنك أن ترى الكثير من آثار القصف...لكن أيضا يمكنك أن ترى في نفس المكان حياة وحركة الفلسطنيين المطمئنة التى ألفت سماع الطلقات والقذائف واعتياد مشاهدة آثارها.. حتى الأطفال هناك يلعبون على إيقاعها..!

فلم يمنع تعلق الغزاويين بالشهادة والموت في سبيل الله من عمارة الأرض،فهم يعرفون جيدا معني أن تكون فارساً في الدنيا وعمارتها دون أن يتعلق قلبك بها، لتحقيق العزة في الدنيا والعين على الأخرة..ومن أمثلة ذلك:
- أنك يجب ألا تستغرب عندما تمشي في شوارع غزة ولا تشعر أنها أرض خرجت من أسابيع من حرب !
فقد مررت على أحد سلاسل المطاعم من طابق واحد،فقيل لي أن كل هذا المكان كان قد تم قصفه بالكامل وفي الأسبوع الثاني تم بناءه ومتابعة العمل فيه كما ترى..!

 - قلما أن تجد عشوائيات في غزة،بناء العمارات والشقق السكنية على قدم وساق،مما أنعش حركة العمل للمهن المتعلقة بالبناء.

- عندما قمت بزيارة الأسواق في غزة وجدت أن الفواكه هناك متوفرة من شتى الأنواع وما لذ وطاب،وعرفت أن غزة تقوم بتصدير الفواكه إلى العديد من الدول الأوروبية.(راجع جوجل لتتأكد)

- حركة البيع والشراء في شوارع غزة تنسيك أنك في أرض كانت منذ أيام في حرب، في لحظة ما ستشعر أنك في شوارع العتبة بقلب القاهعرة لكن بصورة أكثر أخلاقية !

- عندما عدت من السفر لأتابع نتائج مسابقات الذكاء العالمية للأطفال..لم أتفاجيء أن الطفلة أريج المدهون (14 سنة..من غزة) قد حصلت على المركز الأول عالمياً..وكذلك حصلت دانيا الجعبري من الخليل، والرابع لؤي الحمارنة، والخامس عبدالله النجار، والسادس محمد اليازوري وهم جميعا من غزة !

النظافة العامة والخاصة
علي مدار أكثر من عشرة أيام أتجول في شوارع غزة،لم تقع عيني على كوم زبالة،أو مناظر تسيء العين،طبعاً هذا متوقع من فرط النظافة الشخصية لعوام الأفراد،فقد كنت مع أحدهم في أحد المحلات الغذائية وقدم لنا النادل كوباية مياه،فرفضها  رفيقي الغزاوي لا لشيء إلا لأنها تحتوى على قليل من الشوائب الدقيقة خارج الزجاجة.!

- وفي زيارتي لأم الشهيد رامي فرحات وبعد أن أثنت على مصر خيرا وشكرت تضامن شبابها مع القضية الفلسطينية،علقت على آكل المصريين من خارج بيوتهم،قالت "كيف تأكلون هذه اللحوم التي يطبخونها في الشارع أو المحلات ولا تعرفون كيف تطبخ أو تصنع؟! احذروا من هذا..فالصحة غااالية !"

الأخلاق العامة
- تجولت في شوارع غزة كثيراً،تحدتني عيني أن أرى حالة معاكسة أو تحرش بفتاة أو ماشابه رغم كون النساء في غزة لسنّ كلهن محجبات بل فيهم كثير من السافرات ومع ذلك أخلاقهم تأبى ذلك !

سألت رفيقي الغزاوي ألا يوجد عندكم معاكسات..فقال لي نادراً ما يحدث ذلك..وإذا حدث فإن الفاعل يتجرع عقابه من الأهالي..هم يقومون بالواجب معه !

أيضاً عندما تتجول في أسواق غزة لا يمكنك أن تجد شجار أو صخب وبيع وشراء بصوت عالي..في الغالب يتم ذلك بهدوء ورضى...بكم هذا,,بكذا..لا بكذا..الله يسهل أو بارك الله..وخلاص !

- أثناء سيرك في شوارع غزة قلما وفي النادر جداً ان ترى مقاهي كالتي نجدها في مصر مثلاً..قلما أصلا أن يجد الشاب الغزاوي وقت ليصرفه في الهواء..حياتهم مليئة بالعمل كيف ينتحرون بصرفها على مقاهي تضر ولا تنفع !

- أما عن معاملة الناس بعضهم لبعض فهي في غاية النبل والرقة ومراقبة الله خاصة المتعلقة بالمعاملة المادية..ومن أروع ما سمعت في غزة ما قاله لي رفيقي: أن أخاه الشهيد جاء لأمه في المنام مرارا ليقول لها.."يا امي استحلفكي بالله عليا دين..استحلفكي بالله عليا دين..اقضيه عني لأسعد.." وبعد بحث صعب..وجدت أن فاتورة الموبايل هي الشيء الوحيد الذي بقي على ابنها..فقضتها..فجاءها ابنها بعد في المنام ليشكرها..وليبشرها بسعده..!..انتظر..لا عجب..أنت في بلد يمشي أهلها على الأرض ونفوسهم معلقة بالسماء..أنت في كوكب غزة..!

تعرف يا رفيقي أنه جميل أن تموت في سبيل الله..لكن لن يكون هذا حتى تحيا في سبيل الله...والثاني أصعب وأوجب،وفي غزة يفعلون الاثنين بمهارة..حياة في سبيل الله منهجهم...وفن الشهادة صنعتهم.!
 
- الأفراح والأعراس في غزة سواء كانت لمتدينيين أو غير متديين تفصل بين الرجال والنساء..النساء يفرحون في مكان والنساء في مكان آخر في نفس البيت.
- قلما أن تجد من يدخن سجائر..وإذا وجدت أحدهم يدخن حولك تراه يستأذنك قبل أن يشعلها، فإذا سمحت له فعلها وإن لم تسمح لم يغضب وتقبل ذلك بصدر رحب !

تربية الأولاد
عندما تصافح وجوه الأطفال في غزة ستشعر أنك تصافح وجوه رجال حقيقيين،الحرب لم تبقي عليهم طفولتهم..بل جعلتهم يتجاوزون هذه المرحلة حتى وإن صغروا في السن !
حتي مجالات الترفيه..فقد سادها جو الجد والجهاد،،أنت مثلا ربما ركبت سيارة بها أولاد في بلدك..قد تسمع هؤلاء الأطفال يغنون أغانيهم الشعبية أوالطفولية (في مصر الأطفال يغنون في السيارات ويتسلون بأغاني المهرجان والأغاني الشعبية مثل..وشربت حجرين ع الشيشة!) في غزة الأطفال أيضا يغنون لكن أغاني مثل (بدنا نضرب تل ابيب.. اضرب صاروخ القسام..) هؤلاء الأطفال لا يمكن أن تسمع منهم ما يؤذي سمعك..وكيف ذلك وغزة تُخرج للعالم كل عام أكثر من ألف حافظ جديد للقرآن الكريم...وهي بلد تحت الحصار وتعاصر الحروب !

المساجد
في كل حي وشارع وزقاق ستجد حتماً مسجد أثري أو جديد،في الغالب كل المساجد ليست مجرد أبنية لأداء الصلاة بل قل هي محاضن تربوية ومدارس علمية حيث تعقد فيها دروس العلم بصفة  دورية ودورات دراسية للطلبه،ونشرات إخبارية معلقة لفصائل المقاومة.

- الشيء الملاحظ أن أغلب رواد المساجد هم الشباب،ستجدهم يملؤن أركانها في صلاة الفجر،فعدد مصليين صلاة الفجر في غزة تقريبا مثل عدد مصليين الجمعة عندنا في مصر !

- ولأنك في أرض الجهاد يمكن أن تتصور أن الإمام هناك يصلي ويطيل الصلاة بالناس ليقرأ بهم بالبقرة وآل عمران مثلا!..لكن هذا التصور ليس صحيح..الصلاة هناك الجماعية في المسجد من أخف ما يمكن وغالبا ما يقرأ الإمام بقصّار السور،كما أن الخطبة لا يمكن أن تتعدى النصف ساعة بأي حال !

- تلاحظ بشدة حضور الأشبال والأطفال في ساحات المساجد وكيف يحرصون علي التسابق إليها مع حرصهم على آداب المسجد لذلك حازوا احترام المصليين الذين يبتسمون في وجوههم ويشجعونهم بالهدايا والدعاء لهم.

وفي النهاية وجب التأكيد على عدم وجود مجتمع كامل فاضل على الأرض،فأرض الإيمان هي مناط ظهور المنافقين،والعملاء لا يظهرون إلا في أرض النضال،لكن العبرة بالغالب وما ظهر،لذلك وجب التنويه،حفظ الله كل أراضي العزة وأعز كل بلاد الإيمان.
تعليقات فيسبوك
2 تعليقات بلوجر

2 التعليقات

التعليقات

يشرفنا تعليقكم..مشكورين علي ما كتبتم محول الأكواد محول الأكواد الإبتسامات الإبتسامات