الدعاة من واحات الدعوة إلي أوحال السياسية


المصدر : جريدة البديل

كتب : باسم الجنوبي

المشهد السياسي الحالي بزخمه وتحولاته المستمرة كان له من القدرة أن يجذب إليه متابعةً ومشاركةً أطياف وشرائح لم يكن لها أي فعل أو اهتمام سياسي قبل ذلك،وهذا مقبول بالطبع بل مطلوب، فلا أحد ينكر وجوب المشاركة المجتمعية والإيجابية مع الفعل السياسي الذي يُؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة علي أوجه حياتنا جميعاً، لكن الغريب في الأمر أن تحاول بعض هذه الشرائح والأفراد التصدر للفعل السياسي وتنتهج فيه مناهج غير المتبعة في العمل السياسي الذي يسعى لتوافق عام ومصلحة الجمع أو المفترض ان يكون كذلك، ومن هؤلاء كثير من الدعاة ورجال الدين.

بالطبع لايمكننا إنكار مشاركة الدعاة ورجال الدين في العمل السياسي بإطلاق، لأن هذا حقهم بوصفهم مواطنين وعليهم واجب وحق المشاركة، لكن أن يتصدروا في الفعل السياسي ويكونوا طرف فيه، فهذه إذن مسألة جدل وأخذ ورد، وعندما يكون فعلهم واتجاههم السياسي في اتجاه مصلحة فئة أو طائفة أو جماعة بعينها فهنا يقل الجدل؛ لكن عندما يحتج هؤلاء الدعاة ورجال الدين بالآيات المقدسة لترجيح آراءهم السياسية التي يمكن الإختلاف معها، بالإضافة إلي استخدام مكانتهم كرجال دين في توجيه سياسي لجمهورهم  فهنا
يحتدم الجدل ويحسم القول برفض هذا التصدر.

وبنظرة إلي المشهد السياسي بعد دخول الدعاة ورجال الدين فيه سنجد من ذلك العجب، فتعليقاتهم وتصريحاتهم وأطروحاتهم السياسية لم تربك المتابع السياسي فقط بل أيضاً قللت من شأنهم ومن جاذبيتهم واحترام الناس لهم في الغالب؛والغريب أن تعليقاتهم ومواقفهم من شدة غرابتها أصبحت منحوتة في عقول الشباب المصري الأن وإلا من ينسى تصريحات وتعليقات من عينة :
 - "انتصرنا في غزوة الصناديق" الشيخ يعقوب متحدثاً عن نتيجة الإستفتاء علي التعديلات الدستورية.
 -  "يا واد يا مؤمن" الشيخ خالد عبد الله معلقاً علي تصريحات الدكتور محمد البرادعي الرافضة لإعتداء المجلس العسكري علي المتظاهرات.
- " من لم يعط صوته لأبو اسماعيل فقد حاد عن الشريعة" الشيخ أبو الأشبال متحدثاً عن أهمية التصويت للشيخ حازم أبو اسماعيل في إنتخابات الرئاسة.
- "يسوح المسيح صوت لحل البرلمان" تعليق البطرس الأنبا بولا علي إكتساح الإسلاميين في الإنتخابات البرلمانية.
أيضاً من الصعوبة أن نفهم في الإطار الوطني تحيز بعض الدعاة ودعوتهم للجماهير بالتصويت لأحد مرشحي الرئاسة دون الأخرين عبر منابرهم الدعوة، بل قام بعضهم بما هو أغرب من ذلك وهو جعل جهة دعوية مثل "الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" تقوم بدعم د.محمد مرسي في المرحلة الأولي، وهو ما يجعل المواطن يتسائل متحيراً ما الذي جعل هذه الجهة الدعوية تقوم بمثل هذا، وماهو وجه الدعم ونوعه الذي ستقدمه لهذا المرشح؟!

وكل هذا في كفة وأن يقوم أحد الدعاة وهو د.عمرو خالد بإعلانه تأسيس حزب سياسي في كفة أخرى، إذن أن الجمهور لا يعرف عنه أي أفكار سياسية من ناحية، واستخدامه لمؤسسة خيرية (صناع الحياة) بما تحويه من موارد بشرية في عمل سياسي وهو ما يستتبع خلط العمل الحزبي بالعمل الخيري من جهة أخرى، وعدم الأخذ في الإعتبار أن شباب صناع الحياة منهم من يرفض العمل الحزبي أصلاً لذلك اتجه للعمل الخيري عبرها، ومنهم من هو بالفعل في حزب سياسي قائم من ناحية ثالثة، كل هذا يثير شكوك حول موقف هذا الداعية المعروف،وهذا ما ظهر واضحاَ عبر تعليقات أعضاء صفحة عمرو خالد عبر فيسبوك التي تستهجن وتنتقد مواقفه السياسية الأخيرة بصورة غير مسبوقة خاصة بعد افتتاح منتدى أهل مصر.

ويُدهش المرء من مواقف مثل هذه بشدة؛ إذ أن الدعاة ورجال الدين إذ كانوا يهدفون بعملهم السياسي هذا مصلحة الوطن، فإن في إبداعهم وإخلاصهم وتركيزهم في تخصصهم الدعوي المصلحة الأكبر لهذا الوطن من خلال تقويم فكر وأخلاق وسلوك المجتمع الذي يفرز ساسة تشبهه"فكما تكونوا يُولى عليكم"، فلماذا إذن نضيع الجهد والوقت فيما يضر ولا يفيد؟!، خاصة أننا لدينا تجارب ليست جيدة هنا وعند غيرنا في هذا الإطار تمنعنا من تجربة خسائر فادحة، ولعل مالك بن نبي(الفيلسوف الجزائري) أشار إلي تجربة دخول الدعاة في السياسية بقوله " لقد كان علي الحركة الإصلاحية –في الجزائر بعد إستقلالها من الإستعمار الفرنسي- أن تبقى متعالية علي أوحال السياسية والمعامع الإنتخابية، ومعارك الأوثان، ولكن العلماء آنذاك قد وقعوا في الوحل حيث تلطخت ثيابهم البيضاء وهبطت معهم الفكرة الإصلاحية، فجرت في المجرى الذي تجري فيه الشامبانيا في الأعراس الإنتخابية الممزوجة أحياناً بدم تريقه اليد السوداء لإغتيال الإصلاح"!

لكننا في النهاية نعول كثيراً علي نضج عقول المصريين التي لا تنساق إلي آراء رجال الدين ودعاته في كل شؤن الحياة، فالزمن قد تغير، وأصبح التخصص لازمة حياة وعلي الدعاة أن يعوا ذلك حتي يحتفظوا بإحترام الناس لهم؛ والإبقاء علي تأثير دعوتهم الإيمانية التي من مصلحتنا جميعا أن تبقي واحة نقية لأرواحنا جميعاً. 

تعليقات فيسبوك
3 تعليقات بلوجر

3 التعليقات

التعليقات

يشرفنا تعليقكم..مشكورين علي ما كتبتم محول الأكواد محول الأكواد الإبتسامات الإبتسامات