ماذا حدث للمصريين : قراءة جنوبية

                                 جلال أمين يروي ماذا حدث للمصريين


الكتب التي نقرأها مثل الرحلات التي نقوم بها بعضها ممتع ولا نشبع من روعة تجربتها وبعضها غير ذلك…ورحلة قراءة كتاب "ماذا حدث للمصريين" من النوع الممتع للغاية لأنها بصحبة عالم بعمق جلال أمين(المؤلف)..والصحبة هي التي تقدر مدى روعة الرحلة.

الكتاب يتناول التغيرات التي طرأت علي المجتمع المصري في الكثير من أساليب حياته (السياسية-الاجتماعية-الدينية-التعليمية-الترفيهية-الفنية....إلخ) وذلك خلال نصف قرن من عام 1945 إلي عام 1995 ..وبالرغم من مرور أكثر من خمسة عشر عاماً علي تاريخ رصد وتحليل الظواهر والتغيرات محل الكتاب إلا أن منهج جلال أمين في تحليله للحراك الاجتماعي المصري الذي يُعلي من شأن العامل الإقتصادي ويجعل منه محور التغيرات النفسية والاجتماعية يمكننا إستخدامه في تحليل الظواهر التي حدثت بعد ذلك والتطورات التي رأيناها تباعاً...
جدير بالذكر أن جلال أمين استخدم نفس المنهج في تحليل ظواهر أخري عبر كتابه "عصر الجماهير الغفيرة"(ط:الشروق 2003) تناول فيها بإستفاضة القضايا الإعلامية والثقافية وأخلاقيات السوق؛ويعتبره الجزء الثاني لهذا الكتاب..
صدر "ماذا حدث للمصريين" سنة 1998 عن دار الهلال ثم أعادت الشروق نشره في العام التالي..ثم توالت طبعاته إلي التاسعة عام 2009..
أولى جلال أمين قضية الحراك الاجتماعي(صعود طبقات وشرائح اجتماعية وهبوط أخرى) أهمية كبرى لدرجة جعله محور للكتاب الذي كان أصله مجموعة مقالات متفرقة للكاتب تم تجميعها في مؤلف واحد لتفسير(ماذا حدث للمصريين) والسبب في ذلك كما يقول الكاتب أن الحراك الاجتماعي والإنقسام الطبقي هو الحلقة المفقودة في التفسيرات المطروحة لأزمات المجتمع المصري ككل..

ويرى جلال أمين أن أهم عوامل الحراك الاجتماعي في مصر..
 أولاً:هجرة كثير من المصريين في القرى والأرياف إلي دول الخليج وتتدفق أموال النفط إلي أهليهم ثم يعودون ليكونوا في طبقة اجتماعية أرقي من التي هاجروا بها..لكنهم مازالوا محتفظين بأساليب حياتهم السابقة رغم محاولاتهم الظاهرة في تقليد الطبقة الأعلي..كان لذلك أثر علي الحياة الاجتماعية المصرية بشكل عام...
ثانياً: التبعية الاجتماعية للحياة الغربية..ففضلاً علي التبعية السياسية للقرار الغربي عبر المعونات الأجنبية..فهناك إنبهار بالحياة الاجتماعية الغربية ومحاولات لإقتباسات أساليبها التي تتصور شرائح اجتماعية معينة في مصر أن مجرد تقليدها للغرب هو تعبير عن التقدم والحداثة.!
وكما يحذر جلال أمين من خطورة هذه التبعية وتهديدها للقيم وهوية هذا الشعب فهو يحذر أيضاً من القابليين لهذه التبعية ويشبههم بأذناب وأعوان الإستعمار..فكما أن هناك قابلية للإستعمار فهناك أيضاً قابلية للتبعية..مشيراً إلي أنه إذا كان لكل إستعمار وكلاء وأذناب من الداخل  فإن للتبعية وكلائها..لم تتحد فقط مصالحهم المادية بالمتبوعيين له؛لكنهم أيضاً يشعرون بنوع من الولاء النفسي والفكري لهذا المتبوع!
هذا ويختم جلال أمين كتابه بمبحث شديد الأهمية تحت عنوان"مصر وحضارة السوق" يشير فيه إلي خطورة ثقافة الإستهلاك التي روج لها نظام السوق؛ حيث جعل من جميع الأشياء قابلة للتسعير والبيع والشراء وتفنن هذا النظام في اختراع مناسبات للإستهلاك فضلاً علي إستغلال المواسم والأعياد الدينية مثل الكريسماس وشهر رمضان لإطلاق موضات السلع والهدايا التي ارتبطت شيئاً فشئياً بها إلي أن أصبحت قرينة لا تكتمل المناسبة الدينية إلا بها..ويرى الكاتب أن خطورة هذا الأمر تكمن في تحويل قيمة المناسبة الدينية إلي مجرد سلعة وسوف يحول نظام السوق في الخطوة القادمة الإنسان نفسه إلي سلعة ليصبح محل للبيع والشراء..!

بهذه الرؤية يفسر جلال أمين ماذا حدث للمصريين في كثير من عوائدهم و ظواهرهم الاجتماعية المعقدة مثل التعصب الديني والعنف ضد الأقليات؛التغريب السياسي والاجتماعي ؛الهجرة إلي الخارج ؛قيمة الوظيفة الحكومية ؛الإهتمام باللغة العربية في المجتمع ؛إمتلاك السيارة الخاصة ؛تطور عادات الأفراح والتصييف؛ التغييرات التي حدثت للموسيقي والغناء والسينما في مصر..ويربط الكاتب تغيرات هذه الظواهر والعوائد بالحراك الاجتماعي بعد ثورة 52 والتي كانت فيما يبدو تغيرات سلبية خاصة بعد سياسية الإنفتاح والخصخصة؛فهل ننتظر تحليل اجتماعي أخر يرصد الحراك الحادث بعد ثورة 25 والذي نأمل أن يكون أفضل من السابق.
 

تم النشر في
موقع حريتنا
موقع البديل
تعليقات فيسبوك
1 تعليقات بلوجر

1 التعليقات :

التعليقات

يشرفنا تعليقكم..مشكورين علي ما كتبتم محول الأكواد محول الأكواد الإبتسامات الإبتسامات